صليبُ النِّعَم

أيّها المصلوب،

أنتَ هو الفادي، والمنقذ الوحيد، الذي اجترح في سنوات حياته جلائل الأعمال.

لم تتوقّف لحظة عن فعل الخير في حنان، كان تجسيداً حيًّاً لرسالتَك العَمَليَّة في تحرير الجنس البشري من آلام الجسد البرّاح، ومن عبوديّة الخطيّة المُهلِكة.

أيّها المصلوب المعيَّر ظلماً، لقد أعمت ظلمة الجهل أذهان المعتدين، فلم يحسنوا قراءة سجلّ سيرتك الرائعة في بهائها الأسنى، وفي عطائها الأمثل لحبّ كبير يعانق كلية الحياة. إزاءَهُ تفجّرت لهفة الإنسان لتنشر أشرعة الشوق، تُبحِر نحوك. وسط أتون العذاب الأليم صرخت: " أغفر لهم يا أبتاه لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون ". ثمّ أردفت القول بكلمة أخيرة اختزنّت كلّ معاني الصّلب ونعمِه. " قد أُكمِل ". في تلك اللّحظات الرّهيبة، شعشعت الحقيقة المنبثِقة من رحم المحبّة نوراً منيراً على منارة عمّت أرجاء الكون ورُفعت علماً سماوياً فوق شواهق القيَم أيّها المصلوب..

على ظهرك حملت الصّليب الذي كنتَ تنوء تحتَ عبئِه المُرهَق، حمَلته وتحمّلته بروح الشّكر والرّضى الممزوج بالألم، وكأنّه صندوق الهدايا والعطايا. في قلبه يحمل الرسالة العظمى ويُعلن المَخفي من سرّ الأبَد. على الصّليب، هناك، تألّقت في ذروة العطاء. بقوّة محبّتك أيّها المصلوب، اكتمل عملك المُفعَم بأشواقٍ مقدّسَة في ديمومة لا تعرف النّضوب. عملك هذا هو عطاء ما زال يمتدّ في شرايين الحياة في تراكم تاريخي متصاعد يتأصّل في عمق العصور جذوراً تتصلّب في عنفوان قاهر للزّمان وللموت العدوّ الأكبر والشّيطان الظّالم.

بصليبِكَ تواصلت جسور الماضي بالحاضر لتظلّ مسيرة الإيمان وتاريخه تواكب الحياة التي امتدّت في شريان الموت فأحيت الإنسان في قيامة المسيح. أيّها المصلوب اليوم وكل يوم أقف أمام صليبك بخشوع ومهابة وقلب منكسر مفعم بروح الشّكر والإمتنان على كل ما فعلته لأجلنا نحن البشر راجية أن ترسلني إلى العالم مرشدة أحمل صليب النِّعَم لكي تفتح ذهنهُ وعينيه ببصيرة روحيّة ليرى عمق الحقيقة لا ظاهرها من مشاهد الذلّ والضّعف والحزن وكلّ الهوان. فلا يتسرّب الشكّ إلى قلبه ولا يصيبه ما أصاب تلميذَيْ عَمواس. فتتقاذفه أمواج الحَيرة إلى متاهات الضّياع، فيثمر قراراً نهائيّاً بأنّ الموت هو آخر مشهد في تلك الحكاية التي كانت واقعاً حقيقيّاً أُعلِنَ على مسرح الجلجثة. فانّفس التصفّدة بالمادّة تعجز عيونها عن النّفاذ إلى ما وراء الواقع المتآطر بالحواس، إجعلني لأجله صلاة تنطرح في داخله ثورة إيمان تقتلع كلّ الحواجز المُصطنَعة لتصبَح صِلتُه بالخالق حميمة بالمسيح ربّنا.

واجعل إيماني يقيني يحقّق له انتقال فعلي متفاعل في خلق جديد من قفر الموت المترامي إلى جلجثة استحالت حياة في فيض جامح أقوى من الموت.

أيّها المغامِر يا من تتفجّر في داخله ثورة عنيفة تضرم نار الرّغبَة الجامحة للحصول على الحاجة الملحّة في ديمومة الحياة والسّعادة، ثورة ولّدَت فيك حكمة خارقة استخدَمْتها في طلّب المادّة فأثمرَت صنع آلات حرب ودمار وانطلقتَ بها أيّها المغامِر الشّجاع نحو المجهول ورحت بين النّجوم تفتّش عن الحياة وعن وطنك الحقيقي المفقود. لكن مع الأسف الشّديد لقد باءت محاولاتك بالفشل المحتوم وذلك لأنّك قصدت المكان الخاطىء وفتّشتَ عن يسوع (الطّريق والحقّ والحياة) في القبر الفارغ.

ليتكَ توفّر عليك المغامرات غير المجديَة في عالم المجهول البعيد، بينما نِعَم الصّليب هي في متناوَل يدك بالقرب منك والبديهي من يَجد ضالته لا يعاود البحث عنها، فلا تُهدِر وقتكَ في البحث داخل الدوّامة الزمنيّة، فقد تخسر الفرص التي لا تُعوَّض ولات ساعة ندَم.

 

الأخت عليَا بدران