7. June, 2012Devotions Comments Off on حَبَّة القَمح
article-image

 

عجَباً وكلّ العجَب فيكَ أيها الزمن المتقلِّب والمتلِّون. ما بالك، لا يثبت لك حال؟ لا يَصدُق لك قرار ولا يدُم لكَ استقرار؟ شمسُك تطلّ بصفائها المذهل. تُنعش النّفس وتنير العيون وتنقَشع الغيوم الدَّاكنة. وسرعان ما ينهَزم الضّباب حاجب الضياء.

ما بالك أيُّها القِطار الزَّمني تَتنقَّل بينَ المسَافات. تُرافق مراحِل السَّنوات. يستخدمك الزَّمن بينَ أَخْذ وعطَاء. تُرافق الغرُوب في رحِيله. وتتقبّل الصُّبح عند إطلالته. لِفرَح الرَّبيع تَفرَح، وتَحزَن لِحزن الخَريف. ضِحكَتك تَتموَّج مع هَزع الصَّيف الضَّاحِك. ودمُوعك تمتزج مع دمُوع الشِّتاء البَاكي.

كم أنتَ مُسرِع أيّها الزَّمن! لا وَطن لك ولا أركان. تعشَق السَّفر والتَّرحال. في هجرة واغتراب أنت مستمرٌّ على دروب العمر ومعك نحن سائرون. ألا تتعبك استمراريَّة هذه المسِيرة رفيقة الأجيال؟ ألا تُصاب بالضَّجر والمَلل من دوران تلك الدوَّامة الفارغة؟ أم أنَّك مِثلِي تبحث معي عن الضَّائع المفقُود في عالَم الضَّلال؟!

عَجباً، كلّ ما في الكون يتكلم بصمت معبّر. يعلن أسراراً ويُظهر خفايَا. تُرشد الإنسان الى ضالّته المنشُودة التي يبحث عنها في المكان الفارِغ فيُخطِئ الهَدف.

تعَال أيُّها الزَمن، نستعرض معاً حكايات الماضي، التي مثَّلت أدوارها على مسرَح الحياة. قد كتبها القدَر بيده على صفحَات السِّنين ابتداءً من الطّفولة مروراً بالشّباب،

 وصولاً الى المَشِيب.

اليَوم، لقد حطَّت بي الرّحل في دارِك أيها الخَريف. عند الحدُود الفاصِلة بين البقاء والرحيل. هناك قرأتُ عبارةً كتبت على ورقتك الصفراء. أنّ العمر أسرع من الوشيعة تاركاً لي إنذاراً لأُدرِك أنّني غريبة على هذه الآنِية. كم أرجُوه أن لا يخفي عنّي وصاياه. لأن الوصيَّة هي السِّراج المُنير الذي يكشف مخابِئ الظَّليمة. لِنجد الضَّائع المفقود.

زَرُعتِك يا حبَّة القَمح في تربة طفولتي. وفي بُستان شبابي. وراعَيتُكِ بعناية فائقة، ليلَ نهار… في العَطش من عيوني سقيتكِ دموعاً. وفي الجوع من روحي أطعمتكِ دَسَماً. جلستُ بقربِك. ولازمتكِ كما يلازم الحقيقة الخيال. ورحتُ أتفقّدُكِ كلَّ يوم. لَم أبخل عليكِ بالغَالي والثَّمين. وانتظرتُ بِصبرٍ وتَوقُّع لكي أراكِ يا حبَّة القمحِ سُنبلةً شَقَّت التُّراب، وأطَلَّت تتَمايَل بِقامتِها المَيَّاسَة، مُحَمَّلة بِحبُوبِ الخَير والبَرَكة.

 ومع بَسمتِها الذَهبيَّة تَحمُل بُشرَى الأمَل المُنتَصِر.

ثمَّ دارَ الزَّمَن. ودنَى وقتُ الحصَاد. حملتُ منجلَي. ورُحت أجول بنظري بشوقٍ وحذَر في بُستان عمري فلم أَجِدُكِ. رُحتُ أبحثُ عنكِ بينَ السَّنابِل في البُستان الآخر. فلا حياةَ لمَن أُنادِي. فأسرعتُ إلى البَيدر رُبَّما أجدُكِ بينَ الحِزَم يا أمَلِي المُرتَجِى ويَا شِبَعَ جُوعِي.

ولمّا وجدتُ مكانَكِ خَالياً. في كلِّ الأمَاكِن ركعتُ فوقَ تُرابكِ بقلبٍ مكسُور. تنهشُه السُّرَّة بنابِ الحزنِ والألَم والحِرمَان. حاولتُ المساعَدة.  وبِيَدي رُحتُ أَنبُش التُّراب لكَي أعلَم ما الذي نَابَكِ. رُبَّما كَبَّلَتكِ قيُود الضّعف فاعترَاكِ الهُزَال. أو رُبَّما ضَللتِ الطَّريق المؤدِّي إلى المَنفَذ. لتَهرُبي من ظُلمة القّبر إلى نورِ الحَياة. هناك امتزَج بُكاء قَلبي بدمعِ عيُوني . فلَملمتُ تعَب العُمر المَعصُور في قَبضةِ الرِّيح. والأمَل الذي تلاشَى معَ السَّراب بعد أن ملّ طولَ الإنتظار للوصُول إلى الأُمنِية تحت سراج الحَنين. لأجلِ تحقيق الهَدف. هناكَ لَفلفتهم بوشَاحِ الخيبة ودفَنتهم بقربِك. ودَّعتُكِ راجعةً أُجَرجِر ذُيول الهَزيمَة، مُستَسلِمَة بينَ يَديّ الربّ قائلةً: "لِتكن مشيئَتك يا الله حيثُ لَم يبقَ لِي سِواك".

إلهي، ما كنتُ لأَدري كم كانَ سُوءُ حَالي. وماذا كانَ باستطاعَتي أن أفعلَ لولاك. لكَ كلُّ الشُّكر. ما دمتُ حَيَّةً خُطايَ سَتتبعُ أثرَ خُطاك فاستَرِح يا قلبُ تحتَ الصَّلِيب فَدَمُ الفَادي قَد شفَاك إذ ليسَ للقلبِ دواءٌ ناجحٌ إلاّك.

لا شؤمَ في كلامي أو عِتـَــاب           بَل حَقيقة أملٍ قَد خـــاب

أوَليسَ أملُ الدُّنيا ســَـــراب            لا يُروي الغليل منهُ شرَاب

ليسَ لهذَا السرِّ إلاَّ في الغَيبِ جَوَاب!

                                                           

الأخت عليَا بدرَان